ع الأصل دوَّر
أول معرفتي بالروايات البوليسية أو “الألغاز” كما شاعت التسمية لفترة قبل ان تتغير إلى “روايات”.. كان سماعي ثم قراءة لصفحات من نسختها التي بهدلتها الأيدي الكثيرة التي تناولتها. أتحدث عن لغز “مغامرة” لمجموعة من الأصدقاء أحدهم اسمه رفيق.
كان رفيق هو “ألفا” المجموعة ومعهم قرد اسمه مظمظ وكلب لا أذكر اسمه وكانت قصتهم تدور في جو غامض تاريخي في قصر الغوري (وكالة الغوري) حيث كانت الأحداث تدور حول عصابة تقوم بسرقة ما أو عمل ما غير مشروع في القصر وكان على مجموعة المغامرين إيقافهم بكل السبل.. وعنما تقطعت بهم هذه السبل دبر الزعيم “رفيق” خطة محكمة للإيقاع بالعصابة الشرسة.. وكان من معالم الخطة انه اشترى لزملائه “كاوتشات” (كوتشي) من “باتا” -أو هكذا تصورت وقتها أنها من شركة باتا- وذلك لكي يمكنهم التسلل إلى القصر ومحاصرة العصابة وإخافتهم .
ومن بعدها وقعت في غرام القصص البوليسية بداية بـ “المغامرون الخمسة”؛ تختخ ولوزة ومحب ونوسة وعاطف وكلبهم “زنجر” والشاويش “فرقع” وصديقهم المفتش سامي وضاحية المعادي ومختلف أماكنهم التي تدور فيها مختلف أحداثهم… ويليهم المغامرون الثلاثة عامر وعارف وعالية وكلبهم الذي لا أذكر اسمه -ربما كان “رينجو”- والمفتش محسن صديقهم.. يليهم مغامرون أربعة آخرون لا أذكرهم.. ثم السادة الشياطين الـ 13 وزعيمهم الغامض رقم صفر الذي لم يظهر لأحد ولم ير أحد وجهه (حتى الآن).
تزامنت هذه المرحلة المغامراتية مع طفرة كوميكسية -نسبة إلى الكوميكس/ مجلات الشرائط المرسومة- والتي تقلد فيها شارة الكابتن مجلة “تان تان” اللبنانية التي ارتبطت بشخصية “تان تان” المعروفة فقط بالأسم والشارة على الغلاف؛ أما ما عدا ذلك فكان مغامرات شيقة لأبطال تميزوا دومًا بالشهامة والبطولة والفداء والأحداث “النظيفة” بلا توابل الإثارة بالعنف أو بالدم أو السلاح التكنولوجي المتطور أو غير ذلك من مشهيات تداعب نوازع القراء بغيرما اهتمام بالبنية الفنية للعمل، وهي التوابل والمشهيات التي التقطها جيل تالي من الكتاب صنع منها وبنى عليها كل كتاباته أو معظمها.. يتصدرهم السيد نبيل فاروق بالطبع، لكنها مشهيات وتوابل على طبخة “بايتة” أحياناً وبلا طبخة في أحيان أخرى كثيرة.. هكذا أتصور.
مع تهاوي هذه السلاسل واغتيال الكابتن “تان تان” تزامناً مع إصابة الرفاق الصغار “سمير” وميكي” بالبله المبكر وانحسار مد الجيل بأكمله بفعل فاعل أو بدون -مش موضوعنا رغم حدوث هذا الانحسار في ظروف غريبة مريبة- كان العمر يمضي وكنت وأترابي ننتقل لمرحلة عمرية أخرى كان ينبغي أن تتسم بسمات أكثر عقلانية وبتطلعات أكثر واقعية وأكثر تماشياً مع المستجدات، إلا أن هذا التطور لم يمثل مانعاً من القيام بعدة طلعات استكشافية استطلاعية لهذه المنتجات الجديدة التي ظهرت بعد التعثر المفاجئ والغريب الذي أحاط بالمنتجات السابقة لها وعلى الدوام كنت أعود من هذه الطلعات الاستكشافية بحسرة على ما فات وتصور بأن ما صنعه جيل محمود سالم (مؤلف المغامرون الخمسة والشياطين الـ13) لم يستطع الجيل التالي أن يلتقط منه سوى القشور ولم يزد عليه سوى الكثير من الحشو المحشو بالحشو… توابل بلا طبخة كما أسلفت مع تقديري للآراء المخالفة.
من قرأ وتفرج على مغامرات ورسومات ريك هوشيه ومارتن ميلان وتونجا وإي سي ميلان وغيرهم مما كانت تحتويه صفحات مجلة “تان تان” لا يصعب عليه أن يكتشف أن الشياطين الـ 13 وجيل الوسط من المغامرين الخمسة والثلاثة والأربعة قد استفادوا من النسخ الأصلية للمغامرين الذين قدمتهم مجلة “تان تان” المجيدة، لكن هذه النسخ “الممصرة/ المعربة” كانت قد بذل فيها من الجهد ما مكنها من تحقيق تلك المباغتة التي تتحف القارئ وذلك الإبهار الذي “يسحب الروح” لآخر صفحة.
أما نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق وباقي الدفعة فرغم كل الحشو الذي احتوته صفحات مؤلفاتهم ورغم المبيعات المهولة التي حققها تسويق وتوزيع أكثر نجاحا وتطورًا وتوافقاً مع عصر استهلاكي “طالع” فما زالت الركاكة سمة مميزة وطابع يصنعان طراز من الكتابة “ملفق” لا غرابة أنه لا يشذ عن طابع عام تتسم به هذه السنين وهذه الأيام الانفتاحية المباركة.
لا يمكن إنكار أن الركاكة والتلفيق والحشو يمكن أن يوفروا شاغل مناسب لوقت فراغ شبابي طويل نسبياً وهو شاغل على كل حال من نوع يمكن وصفه بأنه حميد مقارنة بباقي شواغل العصر من فضائيات بلا ملابس ولدت ولادة طبيعية من رحم ريالة إعلامية لكن يبقى المأثور الشعبي “عالأصل دور” يشير إلى الحقيقة مجردة.
محمود عبده
====================
قامت دار الشروق في الربع الأخير من 2009 بإعادة سلسلة ألغاز المغامرين الخمسة بمغامرات جديدة وبعض التنقيحات في الشكل العام.
Categories: في الثقافة