Home > On Art :: في الفن > الهرم ليس مقبرة

الهرم ليس مقبرة

عندي ما يشبه اليقين إن كافة التفسيرات المتداولة للتاريخ الفرعوني تحتاج لفلترة ومراجعة وكثير من التصحيحات. لقد فكر السادة المستشرقون بطريقتهم، وفسروا بطريقتهم، ووصلوا لنتائج تتسق وفكرهم هم ومنطقهم هم، شأنهم في هذا شأن كثير من الاختراعات أو حتى «العلوم» الغربية الحديثة، هي إذن نظريات وتفسيرات غربية لتاريخ شرقي وهي تتسم بنمط إقصائي وليست بالضرورة تعبر عن واقع الأمور وكيف جرت في ظروف زمانها أو مكانها الأصليين!


إحدى طروحات د. جلال أمين -في معرض نقده للنظريات الاقتصادية- تقدم مثالاً تفسيرياً لهذا الادعاء.. فهو يقول بأن منظري الرأسمالية والاشتراكية انصب جل همهم ودراساتهم على اقتصادهم ومجتمعهم وصناعتهم وعمالهم.. لم يشغل بالهم ما إذا كان هذا الذي ينظِّرون (شدة وكسرة على الظاء) له يصلح للجنوب وللشرق أم لا يصلح(1)..!


يذهب د. جلال أمين في هذا النقد لمدى أبعد من هذا بكثير فيكاد يهدم الأسس التي بني عليها «علم» الاقتصاد ذاته(2) ويوضح بأنه في مرات عديدة ساوره الشك حول ما إذا كان «علم» الاقتصاد جدير باعتباره علم حقيقي مؤسَّسْ على قواعد تجريبية نزيهة كنظراءه من العلوم التجريبية أم لا.. وهو في هذا السياق أقرب للـ «لا».


النظر إلى تأسيس الديموقراطية في اليونان القديم أيضاً يشير إلى نفس الاتجاه.. فالسادة اليونانيين وهم يؤسسون للنظام الديموقراطي في الحكم -الذي «يفترض» بديهيات المساواة بين البشر والحقوق المتعادلة- لم يكن لديهم ما يمنع من إقرار نظام العبيد والرق في ازدواجية بديعة.. وكأن العبيد شفافين غير منظورين فلا قانون يحميهم.
اتقاءًا لشر التعميم دعنا نحدد بعض الأطر، في الفترة التي هاجت فيها هوجة الكشوف الأثرية في القرن التاسع عشر كان المواطن الأوروبي غارقًا حتى أذنيه في فكر ومعتقدات قومية شديدة العنصرية تمنحه الأفضلية على من عداه من مخلوقات، وهذا معلوم بالطبع أما النقطة الخافية في الموضوع والتي ربما قل من التفت إليها لأسباب شتى لسنا في مجال ذكرها هي مدى تأثير هذا الفكر والخيلاء العنصرية على انتاج هذا المواطن العنصري الأبيض العلمي والفكري..!!
بلا أدنى شك.. فأن كل هذا التراث الحضاري للغرب في عصوره الحديثة «ملوث» بهذه الخيلاء العنصرية، نتكلم في الأغلب عن العلوم الانسانية التي يمكنها أن تتسع لطبقات متتالية ومتعددة من «الترهات» الفكرية التي يمكن أن يُطلق عليها نظريات. لا يمكن أن تصلح هذه النظريات لا للمواطن الجنوبي ولا للمواطن الشرقي منعدمي الثقة بالنفس والذين يتعاملان معها كما لو كانت نصوصًا مقدسة غير قابلة للنقد رغم أن جوهر أي علم هو النقد والتجريب!
بمزيد من التحديد نقول بان هذه التفسيرات والنظريات التي قدمها غربيون «أوهمونا» بقدراتهم الفائقة على فهم «روحنا» و«ما يخصنا» بأكثر مما نستطيع نحن أن نفعل، هي مسألة تحتاج للتمحيص والنقد الشديد لنبذ الشوائب واستخلاص ما يمكن أن يكون صحيحاً.


على سبيل المثال مسألة أن الهرم «مقبرة»!!


هي نظرية تدعي هذا.. فبما إنه احتوى على تابوت وغرفة دفن وبما أنه قابع في البر الغربي.. فهو إذن مقبرة..!!
من وجهة نظر الشرقي الذي تختلف لديه عدة مفاهيم عن الغربي (كمفهوم «جوار المعبود» وكمفهومه لما هو «مجيد» ولما هو «دنيوي» ولما هو «أخروي» ولما هو «إله» ولما هو «صنم» ولما هو «رمز» ولما هو «روح») قد يختلف الأمر.. فكم من مساجد فيها مقابر.. هل يمكن أن نقول أن من بنى المسجد الفلاني بنى مقبرة؟
بالطبع لا..
لست في سياق الجزم بماهية الهرم الحقيقية وأغراض بناؤه لكني أستطيع أن أميل إلى الجزم بأنه ليس مقبرة وليس مبنيً جنائزياً.
التفكير بالطريقة التي كانوا يفكرون بها والشعور بالطريقة التي كانوا يشعرون بها هو ما يلزم كمدخل لبحث مسألة كهذه.. وكمدخل عام لفهم تاريخ المصري القديم وهو ما لم يحدث قط -في حدود المعلوم- من أي مسشترق أو أثري غربي ولا من تلاه وسار على نفس الدرب من الشرقيين.
وبصرف النظر ملايين السطور التي سُطرت وحُشيت بها العقول في دورة متوالية من التحريف والتضييع للحقيقة الأصلية كما رآها أصحابها وكما فعلوها فقد ظلت حضارة المصري القديم كالطلسم أو كمجموعة حلقات غير مترابطة من الطلاسم المدفونة تتكشف على نحو غير متوقع ولا منتظم بما يسمح بتأسيس بحث علمي متزن ومتسق.. وهذا هو المراد.. «الاتساق». كافة التفسيرات المطروحة حول حضارة المصري القديم تفتقد لهذا الاتساق الذي يجمع في النهاية كافة النظريات والطروحات «الحقيقية» التشكل سيرة قادرة على الاقناع ومؤسسة على منطق مفهوم.
وحتى يحدث هذا الاتساق فالهرم -فيما أرى- ليس مقبرة!

محمود عبده
===========
(1) د. جلال أمين، أسس علم الاقتصاد، دار الشروق 2009.
(2) د. جلال أمين، ماذا حدث للمصريين (وصف مصر في القرن العشرين)، دار الشروق 2008

Share and Enjoy:
  • Print
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • Add to favorites
  • blogmarks
  • LinkedIn
  • Reddit
  • Yahoo! Bookmarks
Categories: On Art :: في الفن Tags:
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.