Archive

Archive for فبراير, 2010

البحث عن ضوء رمبرانت :: حول النشر الألكتروني

فبراير 28th, 2010 Mahoud Abdou 2 comments

في مقال هام نشر في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» يرى السيد چيسون إبشتاين أن صناعة النشر تمر حاليًا بمرحلة انتقالية تاريخية من الكتاب المطبوع على ورق إلى ملفات الكترونية يمكن تداولها وتوزيعها بسهولة أكبر وتكلفة أقل وسرعة فائقة.
وهو يرى أن هذا التحول الذي يحدث الآن بشكل غير قابل للنقض ولا التراجع على حد تعبيره؛ سيكون ذا تأثير جذري أيضًا على الثقافة التي يحملها الكتاب والتي هي سبب وجوده.


السيد جيسون إبشتاين هو أحد الناشرين المهمين أصحاب الرؤية والتأثير في صناعة النشر الأمريكية في النصف الأخير من القرن الماضي، تشير إلى ذلك كثير من أوسمة وجوائز التميز التي حصل عليها لاسهاماته البارزة في صناعة النشر الأمريكية.
و«النيويورك ريفيو أوف بوكس» هي مجلة نيويوركية نصف شهرية تهتم بالكتب والثقافة وتعد واحدة من أهم الدوريات المتخصصة في هذا الشأن باللغة الانجليزية.


يواصل السيد ابشتاين مقالته بنكهة إنجليزية عتيقة فينبه القارئ إلي أن جوتنبرج نفسه لم يكن ليمكنه أن يحدس أو أن يتوقع التأثير المتعاظم الذي أحدثه اختراع المطبعة في العالم وحضارته في العصور الحديثة. هو يود هنا أن يشير إلى حالة مماثلة من انعدام الحدس التي يمر بها الناشرون حاليًا -والمهتمون بالثقافة على وجه العموم- وهي الحالة التي تجعلهم غير قادرين على استبصار التأثير الذي يحمله مستقبل رقمنة الثقافة (تحولها من الكتاب الورقي المطبوع إلي الرقمي المخزن الكترونيًا) إلا بشكل مضبب.
يشير أيضًا إلى أولئك الناشرين الذين عانوا في الماضي القريب من مصاعب التوزيع ونشر الثقافة عبر الكتاب المطبوع وما زالوا يبحثون عن أرض ثابتة يقفون عليها ولا يتعجب لعدم تقدمهم لاقتناص الفرصة التي تقدمها الرقمنة ويتيحها التحول الألكتروني وهي الفرصة التي تتمثل -فيما يرى أو يقترح- في إعادة نشر مطبوعاتهم السابقة (Backlist) في سوق جديد رقمي عالمي لا مركزي ولا محدود.
هو يحذر أيضًا من أن التكنولوچيا الجديدة لا تنتظر إذن أحد حين تتصرف وتنتشر بشكل فوضوي لا يخضع لنظام محدد مسبقًا ولا تتفاوض حول حقوق ملكية فكرية لمصنف ما؛ فهذه المصنفات سوف تجد طريقها لا محالة إلى قارئ جديد عبر تكنولوجيا جديدة.


قبل هذه الهجمة -أو الثورة- الرقمية التي يدور المقال حولها ومنذ ما يربو على عقدين من السنين وإذا كنت بصدد عمل دراسة بحثية كان عليك أن تواجه مصاعب عديدة قد لا يتمثل أسوأها في عدم وجود نظام مكتبي أرشيفي جيد بما يسمح بتسهيل مهمة الباحث ولا في صعوبات النسخ والمراجعة على أو من الأصول بل قد يتسع خط مواجهة المصاعب لديك لتواجه مثلاً رحيل أو ترحيل الكتب والمراجع فتجد نفسك مضطراً لعمل “كعب داير” للتنقيب عن مرجع مسجل في مكتبة ما وانتقل في مرحلة من تاريخ الوطن إلى دار الكتب والوثائق القومية لسبب أو لآخر، أما الأسوأ على الإطلاق فيتمثل في اضطرارك أحياناً للاستغناء عن نقاط محورية في بحثك أو حتى تحويل مسار البحث بالكامل نظراً لعدم توافر أو كفاية المراجع. كانت ومازالت تحدث اشياء كهذه.
اليوم وبفضل الرقمنة يمكنك أن تمتلك نسخة مما تشاء من كتب أو مراجع ليس فقط على كمبيوترك المحمول ولكن أيضًا على تليفونك المحمول لتتصفحها بينما تنتظر تجديد رخصة قيادتك في إدارة المرور أو بينما تتمدد على كرسي تشوف منه البحر شو كبير، لم تعد هناك حاجة إذن للإقامة شبة الكاملة في المكتبات ومصادقة أمناءها أو تملق أميناتها لكي يصل إليهم الإيحاء بأنك دودة كتب تستحق الشفقة ومن ثم تسهيل مأموريتك وإمدادك بما يلزم ويا حبذا لو سمحوا لك بالتنقيب بنفسك في دواليب الكتب أو مخازن المكتبة.
لم تعد هناك حاجة أيضًا لإنفاق أموالك على ماكينات التصوير لتحصل على نسخ قميئة يمكنك بالكاد قرائتها فما بالك لو كانت مادة بحثك تدور حول مسائل فنية موجودة في تصاوير أو منحوتات أو رسومات تستلزم حد معين من الوضوح كي تتمكن من مجرد رؤية ما تبحث فيه أو عنه.
قد يصل الأمر بك حينها إلى أن تلعن ألمعية ذهنك الوقاد التي دعتك لاختيار بحث حول “الضوء في لوحات رمبرانت”(1) أو “التراكيب المعقدة في لوحات روبنز”(2) بينما تجهد نفسك في مقاومة رائحة حبر ماكينات التصوير التي أوشكت أن تدمن شمها وأنت تبحث عن ضوء رمبرانت وتراكيب روبنز.


رمبرانت: الرعاة يمجدون السيد المسيح

الآن يمكنك باستخدام كتاب الكتروني يضم آلاف الصفحات أن تبحث عن كلمة ما بسهولة شديدة، أن تبحث عن موضوع ما من خلال كلمات مفتاحية ما في لا زمن تقريباً وهو الأمر الذي كان يستلزم جهد كبير -فيما سبق- لتصل إلى مرحلة أن تبدأ البحث.
يمكنك تجميع فقرات بعينها وإعادة قرائتها في سياق جديد وبشكل فيه ابتكار من أجل استقراء معلومات لم يكن لها لتتوافر إلا بعد جهد مضنِ.
يمكنك تسجيل ملحوظاتك الهامشية ثم إعادة جمعها وترتيبها واستخراج مسودات بيسر أكبر، كثير من فنيات البحث والتدقيق أصبحت التكنولوجيا الرقمية تقدمها على طبق من فضة.


بين ما كان متاحاً فيما سبق وبين ما تتيحه التكنولوجيا الرقمية الآن تبدو المقارنة كما لوكانت بين من يبحث في الظلام وبين من يبحث تحت ضوء ساطع، سهولة أكبر ومرونة في التنقل بين مختلف المراجع تتيحان المزيد من الوقت لعمل الذهن في التحليل ومطاردة ما يكمن في وسط آلاف السطور.


النشر الألكتروني هو مستقبل الثقافة أما مهنة النشر التقليدية ذاتها فهي تواجه اليوم تحديات تصل إلى التشكيك في مدى الاحتياج إليها، لم يعد من الصعب على أي كاتب أو مؤلف أن يكتب مؤلفه ولا أن ينشره عبر الشبكة ولا أن يرسله للمراجعة والتصحيح لدى مراجع لغوي عبر البريد الإلكتروني ثم يحصل على مساعدة من أحد برامج النشر لوضعه في قالب (Template) إخراجي وجرافيكي ثم يبثه إلى القراء عبر أي وسيلة أو قناة من القنوات التي تتيحها الشبكة؛ إما عبر موقع خاص أو عبر موقع مجمع يقدم منشورات ومحتوى الكتروني. على الشبكة بدأت طلائع هذه المواقع في الظهور والانتشار وأخذ مكانها في منظومة الثقافة ومنتجيها. يستطيع المؤلف أيضًا وبكل بساطة أن يضع منتجه في رسالة بريدية ثم يرسله لمن يشاء أو لمن يدفع مقابله مادي.
بعض منتجى المصنفات الفكرية أو الأدبية أو الفنية (كتاب، أدباء، فنانون) يعملون في نطاق نظام آخر مبتكر يقنن وينظم مصنفاتهم وإنتاجهم ضمن ما يعرف -بشكل عام- بالتراخيص مفتوحة المصدر وهي التي تسمح لك بالحصول على المنتج بلا مقابل سوى بضعة شروط من باب التقدير المعنوي لصاحب المنتج الأصلي يتمثل أهمها وأكثرها شيوعاً في شرط ذكر المصدر المنتج للمادة.
أين دور الناشر التقليدي هنا؟
لا يوجد. لن يوجد.


دور الناشر في الثقافة البشرية العتيقة هو دور نشأ وأوجدته ضرورة في مرحلة ما بعد اختراع المطبعة ليتمكن من تنسيق وتنظيم عملية الطباعة وتسليم المنتج الثقافي إلى مستقره في يد القارئ، هو دور خدمي وسيط بين نقطتين، النقطة (أ) هي صاحب المنتج الثقافي الأصلي؛ الكاتب أو المؤلف؛ النقطة (ب) هي القارئ المتلقي. لكن الآن يستطيع المنتج الأصلي أن يرسل ما ينتجه مباشرة إلى القارئ المتلقي، إذن انتهى -أو تضاءل- قدر الاحتياج إلى وسيط أو لنقل أنه على هذا الوسيط أن يغير من أساليبه اذا ما أراد أن يستمر، عليه أن يتوافق مع المستجدات وأن ينتقل إلى النشر الألكتروني.


الضرورة -في زمن المطبعة- هي التي أوجدت الناشر وعظمت من دوره، أما وقد أوشك زمن المطبعة على الأفول فسيأفل معه دور الناشر لانعدام الاحتياج، ببعض التسامح في قراءة المعادلة لنقل أن دور الناشر سيتأثر بشكل كبير يجبره على تغيير كثير من خطط وجداول أعماله، سيجد نفسه لا محالة مجبرًا على أن يتوجه إلى الجمهور الكبير المتزايد باطراد بتزايد حجم وانتشار وتأثير الشبكة وتواجدها في حياتنا.


بالطبع لا تأخذ مثل هذه النقلات المهنية التقنية شكل منحنى انسكاري ولن يكون هذا الانتقال بين ليلة وضحاها وسيستلزم الأمر بعض الوقت لكنه على أي حال ظاهر في الأفق؛ وكل ما علينا الآن هو إن نتطلع إليه ونتأهب، لكن البعض قد يبقى لوقت أطول من اللازم يبحث عن ضوء رمبرانت.


محمود عبده
هامش
==============
(1) رمبرانت: فنان هولندي يعتبر أحد أعظم فناني أوروبا (1606-1669م).
تميزت لوحاته بتوظيف الضوء لتكثيف تراجيديا المشهد المرسوم فيها عن طريق تركيز الضوء على شخصيات محددة بينما تترك مساحات كبيرة من اللوحة في حالة أقرب إلى الظلام الدامس.
(2) روبنز: فنان هولندي وأحد أعظم فناني أوروبا (1577-1640م).
كان أحد مميزات أسلوبه هو استخدام تراكيب من البشر والعناصر شديدة التعقيد.